التواضع والكبر . الفرق بين العزة والكبر
*إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
**التواضع هو خلق جميل يتمتّع به الإنسان الراقي الرائع، والتواضع يفرض أحترام الآخرين لك ويكسبك قلوبهم فالتواضع قيمة أخلاقية عامة لها فوائد دينية واجتماعية وشخصية. كما له مكانة خاصة في دين التوحيد وعند الموحدين وهي من طبائع العقل الخمسة النورانية وعكسها الكبرياء أو الاستكبار من طبائع الضد والظلمة
*التواضع في القرآن والسنة.
- قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].
-وقال عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]،
-وقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215].
وقال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]
- وقال تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].
--وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (مسلم: 2865)،
--وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (مسلم: 2588).
--وأخرج الطبراني في الكبير بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملكٍ فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته وإذا تكبر قيل للملك: دع حكمته» (حسنه الألباني في صحيح الجامع: 5675)،
--وأخرج الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي دلل الإيمان شاء يلبسها» (حسنه الألباني في صحيح الجامع: 6145).
*ومع سيد المتواضعين المصطفى صلى الله عليه وسلم: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث،
--وقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان، وأمر أن تسلت القصعة قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» (مسلم: 2034)،
--وأخرج ابن ماجه في سننه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "أحبوا المساكين فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة»" (حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 308).
--وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه: «أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله» (البخاري: 6247)،
--وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم. فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (البخاري: 2262)،
--وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (البخاري: 3445)،
-- وأخرج مسلم عن أنس قال: «جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك إبراهيم عليه السلام» (مسلم: 2369)،
--وأخرج النسائي في سننه بسند صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» (صحيح النسائي: 1413).
*فالنبى وصلى الله عليه وسلم واصحابه ضربوا لنا اروع الامثلة فى التواضع والعزة ولو حاولنا كتابتها تدقيقا مع وسعتنا اعمارنا واقلامنا ومجلداتنا لذكرها.
*وقيل فى التواضع:-
-السنابل الفارغة تنتصب نحو السماء، والسنابل الملآنة تنحني نحو الأرض.
-كن متيقنا ان الصوت الهادئ أقوى من الصراخ وإن التهذيب يهزم الوقاحة وإن -التواضع يحطم الغرور.
-ليس التطاولُ رافعاً من جاهلٍ... وكذا التواضعُ لا يَضُرُّ بعاقلِ لكنْ يزادُ إِذا تواضعَ -رفعةً... ثم التطاولُ ما له من حاصلِ.
-كم جاهلٍ متواضعٍ... ستر التواضعُ جهله ومميزٍ في علمِه... هدمَ التكبرُ فضلَهُ فدعِ -التكبرَ ما حييت... ولا تصاحبْ أهلَهُ فالكبر عيبٌ للفتى... أبداً يقبح فعله .
-دِنْ بالتواضُعِ والاخْباتِ محتسباً... تفقْ علاءً على أهلِ السياداتِ فالتربُ لما غدا للرجلِ متطئاً... تمسحَ الناسُ منه في العباداتِ .
-حئ بالتواضعِ من يَموتُ... ويكفي المرءَ من دُنْياهُ قوتُ فياهذا سترحلُ عن قريبٍ... إِلى قومٍ كلامُهمُ سكوتُ.
-ضع فخرك، واحطط كبرك، واذكر قبرك، فإن عليه ممرك.
-أحب الخلق إلى الله المتواضعون.
-التواضع الحقيقي هو أبو كل الفضائل.
-ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التواضع.
-ليس للرجل سوى مجد واحد حقيقي، هو التواضع.
-لا يتكبر إلا كل وضيع، ولا يتواضع إلا كل رفيع.
-كلما ارتفع الشريف تواضع، وكلما ارتفع الوضيع تكبر.
-التواضع اجتلاب المجد واكتساب الود.
--وقال حكيم كن متواضعا في كل أفعالك فيدفع الله عنك أعداءك،
وقال التواضع نعمة والكبر معصية وقيل التواضع صحة والكبر مرض،
وبالتواضع ينال الشرف .
-وقيل التواضع يستر أكثر العيوب والكبر يخفي أكثر المحاسبة وقيل التواضع يرفع الصغير والكبر يضع الكبير وأن الله عز وجل يمقت المتكبرين ويذلهم ويحب المتواضعين ويرفعهم.
-والتواضع يزيد الشرف رفعة والتواضع حسنا وأحسن ما يكون في الرؤساء والكبر قبيح وأقبح ما يكون في العوّام،
-والجهل والبخل مع التواضع خير من العقل والجود مع الترفع،
-وقيل التواضع من كرم الأخلاق والكبر من لؤم الأخلاق،
-وقيل ثلاثة تورث المحبة : الدين والكرم والتواضع. وقيل ثلاثة تكسب البغضاء : النفاق -والكبر واللؤم. وقيل المتواضع عند نفسه صغير وعند الناس كبير، والمتكبر عند نفسه كبير وعند الناس صغير.
---ومن علامة الحكمة ثلاث خصال : إنزالك نفسك دون منزلتها ومعاملتك للناس بما تحب أن يعاملوك به ومعرفة حالك وما عليك.
-وقيل تواضع العالم يزيده رفعه وتواضع العاقل يسدد رأيه وتواضع رجل الدين يحسن ادبه وتواضع الخاطئ يغفر ذنوبه،
--والمتواضع إن أعطي شكر وإن مُنع صبر، والمتكبر إن أعطي كفر وإن مُنع افترى، وقيل : يكون الإنسان محبوبا إما لتواضعه أو لحسن نيته أو لكرمه، ويكون ممقوتا إما لكبره أو لخبث نيته أو لبخله.
**والكبر هي الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك ان يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره وأعظم التكبر : التكبر على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة والاستكبار .
-وقال تعالى : "أبى واستكبر"(سورة البقرة 34) "استكبار في الأرض" (فاطر 43) "يتكبرون في الأرض بغير الحق" (الأعراف 146) "إنه لا يحب المستكبرين " (النحل 27) "فبئس مثوى المتكبرين" (الزمر 72) (مجمع البيان الحديث 1980 ص 732 – 734).-والكبر الإثم الكبير المنهى عنه شرعا، والكبير اسم من اسماء الله الحسنى معناه العظيم ذو الكبرياء .
- والمتكبر من أسماء الله الحسنى ومعناه المتعالي عن صفات الخلق ،
-والأكابر والكبراء : العظماء والوجهاء والأشراف.
-والكبر : البلاايا والدواهي ومفردها كبرى والكبرياء التجبر والترفع عن الانقياد.
-وردت كلمة الكبر ومشتقاتها في القرآن في 161 موضعا.
-والكبر هو استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من فضائل والاستهانة بالناس واستصغارهم والترفع على من يجب التواضع له.
-وهذا الخلق مكروه ضار لصاحبه لأن من أعجبته نفسه لم يستزد من اكتساب الأدب ومن لم يستزد بقي على نقصه، وأيضا فإن هذا الفعل يبغضه إلى الناس ومن يبغضه الناس ساءت حالته.
-قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه :"إياكم الكبر ،إياكم والإعجاب بالأعمال، من ذل نفسه رفعه مولاه ومن خضع لمولاه أعزه ومن اتّقاه وقاه ومن أطاعه أنجاه ومن اقبل إليه أرضاه ومن شكره جازاه، فعلى العبد أن يزن نفسه قبل ان يوزن ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب ويتهيأ للعرض قبل يوم الحساب (المراد والمريد ص 152)
--إن أعجبت بآرائك فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها وفي كل رأي قدرته صوابا فخرج بخلاف تقديرك وأصاب غيرك وأخطأت أنت.
-وإن أعجبت بخيرك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معايبك ووجوهه فوا الله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفى على حسناتك.
-وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك فلا تقابلها بما يسخطه فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها تولد عليك النسيان لما علمت وحفظت.
-قال الفضيل بن عياض أحد كبار الصوفية في تعريف التواضع :
"بأنه لا تخضع إلا للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته منه" (عبد الرحمن بدوي ، تاريخ التصوف الإسلامي : 1978 ص 272).
ومن كلماته :"من وقي خمسا فقد وقي شر الدنيا والآخرة، العجب والرياء والكبر والازدراء والشهوة" (تاريخ التصوف الإسلامي ص 171)
---ومن أجل ما ذكرنا فإنه إذا كانت للإنسان أدنى فضيلة عظمت عند نفسه وأحب أن يمدح عليها فوق استحقاقه، وإذا تأكدت فيه هذه الحالة صار عجبا".
-فأخذ ابن عوف هذا الكلام فنظمه شعرا فقال :-
عجبت من معجب بصورته وكان بالأمس نطفة قذرة
وفي غد بعد حسن صورته يصير في اللحد جيفة قذرة
وهو على تيه ونخوته ما بين ثوبيه يحمل العذرة
- قال الشاعر :
يهوى الثناء مبرز ومقصر حب الثناء طبيعة الإنسان.
-وقال آخر :
إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله فمادحه يهذي وأن كان مفصحا
-وقال غيره :
وما شرف أن يمدح المرء نفسه ولكن أعملا تذم وتمدح.
--قال بعض الحكماء : "من برئ من ثلاث نال ثلاث ، من برئ من السرف نال العز ومن برئ من البخل نال الشرف ومن برئ من الكبر نال الكرامة".
ما جاء في كتاب "مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل "للعالم والأديب الشهير ابن حزم الأندلسي" (994 – 1063):
-من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى أنه لا عيب فيه فليعلم حينئذ أعقل منك وأحسن حالا واعذر فليسقط عجبك بالكلية.
-وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم أنظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق لأنك بذلت فيما ليس ثمنا لها.
وان كنت صرفتها في طاعة فقد فسدتها في عجبك.
ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة.
-وإن أعجبت بجاهك في دنياك : فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك ولعلهم أخساء وضعفاء سقاط فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه.
--وقال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح ماء لشربه فقال له يا امير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى ان تبتاعها؟ فقال له الرشيد : بملكي كله.
قال يا امير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟ قال بملكي كله.
-فقال يا امير المؤمنين اغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك رحمه الله.
--وإن أعجبت بمالك وثروتك فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها غيرك.
اعلم إن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها إلا أن تخرجها عن ملكك ونفقتها والمال غادِ ورائح وربما زال عنك ورأيته بعينه في يد غيرك ولعل ذلك يكون عدوك فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف.
-وإن أغنى أغنياء العالم لا يأخذ معه ولا قرشا واحدا من أمواله الطائلة حين يفارق الحياة والعالم.
--وإن أعجبت بمدح إخوانك ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب. فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة اسقط من منزلة من لا عدو له.
*وشتان بين الكبر وعزة النفس:-
فعزة النفس تمتاز في الأذهان عن الكبرياء امتياز الصُّبح من الدجى؛ إذ العزة ارتفاع النفس عن مواضع المهانة، والكبرياء استنكاف النفس أن تأتي صالحًا؛ بتَخَيُّل أنَّ ذلك العمل لا يليق بمنزلتها، أو تعظُّمها عن أن تجامل ذا نفس زكية؛ بزعم أَنه غيرُ كفءٍ لها.
ويقابل العزة الضِّعة، وهي انحدار النفس في هُوَّة المهانة، ويقابل الكبرياء التواضع، وهو إذعانها للحق ونظرها إلى ذي النفس الزاكية أو المستعدة لأن تكون زاكية نظر احترام أو عطف وإشفاق.
والفرق بين حقائق هذه الأخلاق سهل المأخذ، ولا يكاد يخفى أمره على عامة الناس فضلًا عن خواصهم،
-ولكن أحوالًا تعرض للرجل؛ فيخفي فيها الوجه الذي يدعو إلى مظهر الرفعة، فيُعدُّ مستكبرًا، أو يخفي فيها الوجه الذي يدعو إلى التواضع، فيعدُّ صاغرًا.
وفى الناس من عدَّ التواضع ذلَّة وعدَّ اعتزاز النفس من جهله كبرا
-وقال رجل للحسن بن علي: إنَّ الناس يزعمون أنَّ فيك تيهًا، فقال: ليس بتيه ولكنه عزة، وتلا قوله تعالى: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
--ولعزة النفس فوائد تعود على الشخص نفسه،
منها ارتياح ضميره، وسلامته من ألم الهوان الذي يلاقيه من لا يحتفظ بكرامته، ثم ما يلقيه هذا الخلق على صاحبه من مهابة ووقار، وإحرازِ مكانةِ احترامٍ في النفوس، مما تنشرح له صدور العظماء.
وإنما عيب الرجل في أن يجعل هذه المكانة غايته المنشودة.
-قال صلى الله عليه وسلم: (لَأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ علَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ له مِن أنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أعْطَاهُ أوْ مَنَعَهُ).
-قال الله تعالى يدعو رسوله الكريم إلى هذا الخلق العظيم: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}.
-وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
-يستكبر الأغبياء؛ ظنًّا منهم أنَّ في الاستكبار رفعة، والحقيقة أن ابتغاء الرفعة من طريق التواضع أنجح من التوصل إليها بطريق التجبر والغطرسة؛ فالتواضع الحكيم يورث المودة.
- والمتواضع من يعرف قدره، ولا يأبى أن يرسل نفسه في وجوه الخير، وما يقتضيه من حسن المعاشرة.
- وإذا كان من يحتفظ بالعزة، ولا يصرف وجهه عن التواضع، هو الرجل الذي يُرجى لنفع الأمة، ويستطيع أن يخوض في كلِّ مجتمع، ضافي الكرامة، أنيس الملتقى، شديد الثقة بنفسه .
-*- كان حقًّا على من يتولَّى تربية الناشئ أن يتفقده في كلِّ طور، حتى إذا رأى فيه خمولًا وقلة احتراس من مواقع المهانة - أيقظ فيه الشعور بالعزة، والطموح إلى المقامات العلا.
وإذا رأى فيه كبرًا عاتيًا، وتيهًا مسرفًا - خفَّف من غلوائه، وساسه بالحكمة، حتى يتعلَّم أن المجد المؤثَّل لا يقوم إلا على دعائم العزة والتواضع.

تعليقات
إرسال تعليق